الشيخ الطبرسي

66

تفسير جوامع الجامع

بمَا وَفَّقَكَ اللهُ فيه من اختصَاصِهِ وتَبنِّيهِ وهو زيدُ بنُ حَارثَةَ ( أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) يَعني زَينبَ بنْتَ جحْش ، وذلكَ أنَّ رسولَ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أَتى منزلَ زينبَ ذاتَ يوم ، فإذا زَينبُ جَالِسَة وَسَط حِجْرتِهَا تَسْحَقُ طِيبَاً بفهْر لَهَا ، فَدَفَعَ رسولُ اللهُ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) البابَ فَوقَعَ بَصَرَهُ عليهَا فَقَالَ : سبحانَ اللهِ خَالقِ النُّورِ ، تَباركَ اللهُ أَحسَنَ الخَالِقينَ ، وَرَجَعَ ، فجاءَ زَيدٌ فأخْبَرتْهُ زينبُ بمَا كانَ ، فَقَالَ لَهَا : لعلَّكِ وَقَعْتِ في قَلْبِ رسولِ اللهِ ، فَهَل لَكِ أَن أُطلقِّكِ ؟ فقالَتْ : أخشَى أَن تَطلِّقني ولا يَتَزَوَّجني رسولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فجاءَ زَيدٌ وقَالَ : يا رسول الله ، أُريدُ أَن أُفارِقَ صاحِبَتي ، فَقَالَ : مَالَكَ ؟ أَرَابَكَ منها شَيء ؟ قَالَ : لا ، والله ما رأيتُ منهَا إلاَّ خَيْراً ، ولكنَّها تَتَعَظَّمُ عَلَيَّ لِشَرفِهَا وتُؤذِيني ، فَقَالَ لَهُ : أَمْسِكْ عليكَ زَوْجَكَ ( وَاتَّقِ اللهَ ) ثمَّ طَلِّقْهَا بعدُ فلمّا اعتدّت قال رسول الله : ما أجدُ أحداً أوثق في نفسي منك ، أخطب عليَّ زينب ، قَالَ زيدٌ : فانطلقتُ فإذا هي تُخَمِّرُ عَجِينَها ، فَلَمَّا رأَيتُها عَظُمَتْ في نفسي حتَّى ما أَستطيعُ أَن أَنظرَ إليهَا حينَ عَلِمْتُ أنَّ رسولَ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذكَرَهَا ، فَوَلَّيتُها ظَهْري وقُلْتُ : يا زينبُ أَبشِري ، فإنَّ رسولَ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يخطُبُكِ ، فَفَرحَتْ بذلكَ ، وقَالَتْ : ما أَنَا بصَانِعَة شَيئاً حتَّى أؤامِر رَبِّي ، فَقَامَتْ إلى مَسجدِهَا ، ونَزَلَ القرآنُ ( زَوَّجْنَكَهَا ) فَتَزَوَّجَهَا رسولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وَدَخَلَ بهَا ، وما أَوْلَمَ علَى امرأة من نسائِهِ مَا أَوْلَمَ عليها ، ذَبَحَ شَاةً وأطعَمَ الناسَ الخُبزَ واللَّحمَ حتَّى امتدَّ النَهارُ . وقولُهُ : ( وَاتّقِ اللهَ ) يُريدُ : لا تُطَلِّقْها ، وهو نَهيُ تَنْزيه لا نَهيُ تَحريم ؛ لأنَّ الأَولى أَن لا يُطَلِّقَ ، وقيلَ : أرادَ اتَّق اللهَ فَلاَ تَذُمُّها بالنِّسبة إلَى الأَذَى والكِبْر ( 1 ) . وقولُهُ : ( وَتُخْفِى فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْديهِ وَتَخْشَى النَّاسَ ) قيلَ : أَخْفَى في نفسهِ أنَّه إنْ طَلَّقَها زيدٌ تَزَوَّجَها ، وخَشِىَ لاَئِمَةَ الناسِ أن يقُولُوا : أَمرَه بطَلاقِها

--> ( 1 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 3 ص 541 .